كتب د. جورج سمعان: عندما تتحول الشعارات إلى كلفة وطن

06/03/2026

 

تبدأ المأساة السياسية يا سعادة النائب حين يظن بعض القادة من هذا الطرف او ذاك أن ارتفاع الصوت يمكن أن يعوّض غياب الرؤية. فيذهبون إلى خطاب شعبوي حماسي مشبع بالشعارات، ومرتفع النبرة، لكنه قصير النظر، ومن ثم يذهبون الى قرارات لا يرون فيها أبعد من جدران السلطة التي يعيشون داخلها.
لا يعرفون ان عالم اليوم لا ينتظر أحدًا. يتغير بسرعة هائلة، ولا يعرفون أن الذي لا يقرأ التحولات يسحق بها.
إن السياسة ليست مهرجان خطابة، بل إدارة مصالح. وقيادة الشعوب هي إدارة ذكية للإنسان والموارد والفرص، خصوصًا في زمن تتصارع فيه الدول لا فقط على الأرض، بل على العلم والمعرفة والطاقة والممرات الاستراتيجية والنفوذ الاقتصادي والمواقع... ومن لا يفهم ذلك، يحكم بلاده بعقل الماضي في عالم المستقبل.
يقول مثل صيني قديم: «إذا أردت عبور النهر فتحسس الحجارة بقدميك». هذه هي السياسة الحقيقية: حذر، حساب، رؤية، تموضع، قراءة دقيقة لموازين القوى. أما القفز في المجهول هو مقامرة يدفع ثمنها الشعب.
الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها هؤلاء، أن الشعارات والشعبوية لا تطعم جائعًا، ولا تبني بيتًا، ولا تجذب استثمارًا، ولا تحمي اقتصادًا، ولا تصنع دول. الدول تُبنى بالأرقام وبالارقام فقط لا بالتصفيق.
لهذا قال المستشار الالماني بسمارك، إن «السياسة فن الممكن». لم يكن يقصد الاستسلام، بل الواقعية؛ أي تحقيق أفضل نتيجة ممكنة ضمن الظروف القائمة، لا قيادة السفينة إلى قلب العاصفة.
فعندما تُمارَس السياسة بشعبوية بلا قراءة دقيقة للبيئة الدولية، تبدأ سلسلة الانهيارات: اقتصاد ينهار، عملة تفقد قيمتها، عزلة سياسية تتوسع...، ثم يكتشف المواطن أنه دفع من عمره وكرامته وماله ثمن شعارات لم تنتج إلا الخراب.
المفارقة المؤلمة أن لبنان لا يعاني فقرًا في العقول أو الموارد، بل فقرًا في الإدارة. وقد وصف المفكر الكندي آلان دونو هذا الواقع في كتابه «نظام التفاهة»، حين تصبح القرارات الكبرى بيد نخب عاجزة عن فهم تعقيد العالم.
المطلوب ليس التخلي عن السيادة ولا خيانة الأوطان، بل إنقاذها من الخطاب الذي يستهلكها. السيادة لا تُحمى بالكلمات، بل باقتصاد قوي، ومجتمع متماسك، وسياسة تعرف متى تفاوض ومتى تناور ومتى تتراجع خطوة لتحمي الوطن من السقوط الكامل.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: هل الأفضل خسارة جزء من المكاسب أم خسارة الدولة نفسها؟.
رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل قدّم الإجابة منذ عقود حين قال: «ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة».
السياسة ليست عاطفة، بل إدارة مصالح طويلة الأمد. أحيانًا تكون الحكمة في قبول خسارة محدودة لمنع كارثة كبرى.
التاريخ مليء بالأمثلة لمن يرفض قراءة الواقع. ففي عام 1218 أرسل جنكيز خان بعثة تجارية إلى الدولة الخوارزمية لبناء علاقات اقتصادية، لكن قرارًا متسرعًا بإعدام أفرادها حوّل فرصة سلام إلى حرب إبادة. وبعد تجاهل محاولة دبلوماسية ثانية وقتل افرادها ايضا، رد جنكزخان برسالة قصيرة: لقد "اخترتم الحرب... انني قادم..."، لم تكن الرسالة مليئة بالتهديد بل جاءت أقرب الى اعلان حتمي عن كارثة قادمة، وكانت النتيجة سقوط دولة كاملة وملايين الضحايا بسبب قرار سياسي واحد لم يُحسب جيدًا.
تسقط الدول: ليس دائمًا بفعل قوة الأعداء، بل بسبب أخطاء الحساب لدى قادتها.
الخلاصة بسيطة وقاسية:
السياسة ليست اختبارًا للخطابة، بل امتحان للنتائج. والدولة التي تستبدل الواقعية بالشعارات لا تخسر معركة سياسية فقط، بل قد تخسر مستقبلها بكامله.
أ.د. جورج سمعان

Share this:
Poppins

تابعونا على مواقع التوصل الإجتماعي

  • Labora
  • Expert tourism
  • Khazzaka
  • Poppins
khazzaka insurance