الذاكرة كعدالة: في الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية- بقلم البروفيسورة فيكي تشابريان

24/04/2026

 

كتبت البروفيسورة فيكي تشابريان في الجمهورية: 

 

 

في الرابع والعشرين من نيسان عام 1915، بدأت واحدة من أحلك الصفحات في التاريخ الحديث. فقد تعرّض الشعب الأرمني لمخطط منظّم هدف إلى اقتلاع وجوده، عبر اعتقالات جماعية وإبادة ممنهجة أودت بحياة مليون ونصف المليون إنسان. واليوم، بعد مرور 111 عاماً، يقف الأرمن في أرمينيا والمهجر، ومعهم أصدقاء الإنسانية، ليؤكدوا أن الذكرى ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي فعل مقاومة ضد النسيان والإنكار.  

 

إن التذكّر واجب أخلاقي، وهو في جوهره مقاومة للظلم. فكل شمعة تُضاء، وكل صلاة تُرفع، وكل كلمة تُكتب، هي إعلان بأن الحقيقة لا تموت. الإبادة الأرمنية ليست حدثاً تاريخياً منقطعاً، بل جرحاً أخلاقياً مفتوحاً يطالب العالم بالاعتراف والعدالة.  

 

لكن هذه الذكرى ليست للأرمن وحدهم، بل هي نداء موجَّه إلى ضمير الإنسانية جمعاء. فالإبادة هي أبشع الجرائم ضد البشرية، والصمت أمامها تواطؤ. إن إنكار الحقيقة لا يسيء فقط إلى الضحايا، بل يهدد القيم الإنسانية ويضعف أسس العدالة في كل مكان.  

 

من بين الرماد نهضت روح الأرمن. حمل الناجون ثقافتهم وإيمانهم إلى المنافي، وأسسوا مجتمعات نابضة بالحياة في بيروت، وعنجر، حلب، باريس، لوس أنجلوس وسيدني والعالم اجمع. لقد تحوّل الشتات الأرمني إلى شاهد حي على قدرة الإنسان على الصمود والإبداع. وفي لبنان، حيث يعيش الأرمن جنباً إلى جنب مع شعب يواجه بدوره أزمات وشتات، تتقاطع التجربتان لتؤكد أن الهوية يمكن أن تزدهر رغم التحديات، وأن التضامن بين الشعوب هو السبيل إلى البقاء.  

 

ولبنان نفسه يعيش اليوم مأساة شبيهة بالإبادة البطيئة، حيث تتعرض جميع مكوّناته – من الأرمن واللبنانيين العرب إلى أحفاد الفينيقيين – لضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية تهدد وجودهم وكرامتهم. إن ما يعيشه لبنان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو شكل من أشكال الإبادة الجماعية التي تستهدف الإنسان في لقمة عيشه، في صحته، وفي أمله بمستقبل كريم. وهنا تتلاقى رسالة الأرمن مع رسالة اللبنانيين: أن العدالة والاعتراف هما الطريق إلى المصالحة، وأن السلام هو الطريق إلى مستقبل يليق بالإنسان.  

 

ولا يمكن أن نغفل مأساة ناغورنو كاراباخ عام 2020، التي شكّلت إبادة ثانية امتدت 44 يوماً. فقد قُتل خلالها أكثر من خمسة آلاف جندي أرمني، وتم تهجير آلاف العائلات من بيوتهم وأراضيهم، ليُقتلعوا من جذورهم مرة أخرى. هذه المأساة الحديثة تؤكد أن الإبادة ليست مجرد ذكرى بعيدة، بل خطر متجدد يهدد الشعوب حين يُترك الظلم بلا رادع.  

 

إن الذكرى الـ111 ليست مجرد وقفة حداد، بل هي دعوة إلى تحويل الحزن إلى قوة، والذاكرة إلى رؤية لمستقبل أفضل. إنها لحظة لتجديد الالتزام بمبادئ سبعة مترابطة: الذاكرة، الحقيقة، العدالة، التضامن الإنساني، السلام، الكرامة، والمسؤولية السياسية. هذه المبادئ ليست شعارات، بل هي أساس بناء عالم أكثر إنصافاً.  

إن الإبادة الأرمنية ونكبة كاراباخ وما يعيشه لبنان اليوم تذكّرنا بأن العدالة ليست فقط استعادة للحقوق الماضية، بل هي أيضاً التزام بحماية المستقبل. فالتذكّر يعني أن نقف ضد كل أشكال الكراهية والتمييز والعنف، وأن نعمل كي لا تتكرر مثل هذه الجرائم بحق أي شعب.

 

وفي هذه الذكرى، نرفع صوتنا من أرمينيا ولبنان ومن كل أصقاع الشتات، لنقول: لن ننسى، ولن نسمح بإنكار الحقيقة. نطالب بأن تُسكت كل أنواع الإبادات، وأن يسود السلام في العالم أجمع، وأن يُبنى مستقبل تُصان فيه كرامة الإنسان، ويُحترم فيه حق الشعوب في الحياة والحرية.  

 

إن الإنسانية كلها مدعوة اليوم إلى أن تتعلّم من هذه المآسي، وأن تجعل من الذاكرة جسراً نحو العدالة، ومن العدالة أساساً للسلام، ومن السلام طريقاً إلى مستقبل أفضل للأرمن، للبنانيين، ولجميع شعوب الأرض.  

Share this:
Poppins

تابعونا على مواقع التوصل الإجتماعي

  • Labora
  • Fun zone
  • Khazzaka
  • Poppins
khazzaka insurance